‏إظهار الرسائل ذات التسميات القرأن الكريم وعلومه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القرأن الكريم وعلومه. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

 
مخارج الحروف

المخارج: جمع مخرج

وهو في اللغة اسم مكان لمحل تولد حرف أو اكثر

وفي الاصطلاح: هو محل خروج الحرف الذي ينقطع عنده صوت النطق به فيتميز به عن غيره وهو من المباحث الاساسية في علم التجويد وقال ابن الجزري:

إذ واجب عليهم محتم::قبل الشروع اولا ان يعلموا

مخارج الحروف والصفات::ليلفظوا بافصح اللغات



والحرف: صوت معتمد على مخرج محقق او مقدر

فالمخرج المحقق: المعتمد على جزء معين من اجزاء الحلق او اللسان او الشفتين

والمخرج المقدر: الواسع الذي لا يمكن تحديده بدقة

والمعتمد عند علماء التجويد ان عدد الحروف تسعة وعشرون حرفا بجعل الالف حرفا مستقلا وجرت العادة بذكره بين الواو والياء في اخر الحروف مقرونا باللام ( أ ب ت ث ....هـ و لا ي) لعدم امكان النطق به منفردا لدوام سكونه


كيفية معرفة مخرج الحرف:

يمكن معرفة المخرج المحقق للحرف بالنطق به ساكنا او مشددا مع ادخال الهمزة عليه فحيث ينقطع الصوت يكون مخرج الحرف


عدد مخارج الحروف:

المواضع التي تخرج منها الحرف خمسة مواضع ويمكن تسميتها بالمخارج العامة يكون في كل منها مخرج او اكثر من المخارج الخاصة لحرف او اكثر من حروف الهجاء


والمخارج العامة هي :

1-الجوف 2- الحلق 3- اللسان 4- الشفتان 5- الخيشوم

وللعلماء في عدد المخارج الخاصة المندرجة تحت هذه المخارج العامة ثلاثة أقوال:

الاول: انها سبعة عشر مخرجا وهو مذهب جمهور علماء التجويد وهو الذي مال اليه ورجحه الامام ابن الجزري رحمه الله حيث قال:

مخارج الحروف سبعة عشر::على الذي يختاره من اختبر

اي ان المختبر لمذاهب العلماء في عدد المخارج يصير الى القول بانها سبعة عشر مخرجا في الجوف مخرج واحد وفي الحلق ثلاثة وفي اللسان عشرة وفي الشفتين مخرجان وفي الخيشوم مخرج



الثاني: أنها ستة عشر مخرجا وهو مذهب سيبويه والشاطبي ومن وافقهما من اهل اللغة فهم لا يعدون الجوف من المخارج ويرون ان الحروف الجوفية تخرج من مخارج الحروف المشابهة لها في الصورة فالالف تخرج من مخرج الهمزة والواو المدية تخرج من مخرج الواو غير المدية والياء المدية تخرج من مخرج الياء غير المدية

وقد يعترض على ترجيح القول بان عدد المخارج سبعة عشر مخرجا بانه ليس قول الامام الشاطبي الذي نقرا رواية حفص من طريقه وما دام الحال كذلك فالاولى بنا التزام مذهبه في عدد مخارج الحروف كما التزمنا طريقه في القراءة

والرد على هذا الاعتراض ان التزامنا القراءة بطريق الشاطبي لا يعني الالتزام برايه وترجيحه فالرواية شيء مختلف عن الترجيح ومسالة تفصيل المخارج ليست مسالة رواية بل هي ترجيح واجتهاد كما ان ابن الجزري الذي مال الى ترجيح القول بانها سبعة عشر مخرجا كان يقرا من طريق الشاطبية ومع ذلك خالف راي الشاطبي في هذه الجزئية


الثالث: انها اربعة عشر مخرجا وهو مذهب الفراء وقطرب وجماعة من اهل العربية وهو بذلك يوافقون سيبويه ومن معه بعدم الاعتداد بمخرج الجوف ويزيدون على ذلك بجعل اللام والراء والنون من مخرج واحد على خلاف مذهب الجمهور

-------------------------------------------


هذه هي مخارج الحروف كما بينها علماء التجويد واهل الاداء وقد نظمها ابن الجزري في مقدمته فقال:

مخارج الحروف سبعة عشر::على الذي يختاره من اختبر

للجوف ألف وأختاها وهي::حروف مد للهواء تنتهي

ثم لأقصى الحلق همز هاء::ومن وسطه فعين حاء


أدناه غين خاؤها والقاف::أقصى اللسان فوق ثم الكاف

أسفل والوسط فجيم الشين يا::والضاد من حافته إذ وليا

الاضراس من أيسر أو يمناها::واللام من أدناها لمنتهاها

والنون من طرفه تحت اجعلوا::والراء يدانيه لظهر أدخل

والطاء والدال وتا منه ومن::عليا الثنايا والصفير مستكن

منه ومن فوق الثنايا السفلى::والظاء والذال وثا للعليا

من طرفيهما ومن بطن الشفه::فالفا مع أطراف الثنايا المشرفه

للشفتين الواو باء ميم::وغنة مخرجها الخيشوم

 
التعريف بالقراء السبعة وذكر رواتهم
‎‎ القراء السبعة الذين أجمعت الأمة على تواتر قراءاتهم هم:‏
‎ أ- أبو عمرو بن العلاء البصري: وهو زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري،  اشتهر بكنيته، وهو إمام القراءة بالبصرة، توفي سنة 154هـ.‏
‎‎ وراوياه هما:‏
‎1. الدوري: هو حفص بن عمر الدوري النحوي البغدادي توفي سنة 246هـ.‏
‎2. السوسي: وهو صالح بن زياد السوسي، توفي سنة 261هـ.‏
‎ ب- ابن كثير المكي: هو عبد الله بن كثير المكي التابعي، إمام أهل مكة في القراءة، توفي سنة 120هـ.‏
‎‎ وراوياه هما:‏
‎1. البزي: هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المؤذن، توفي سنة 250هـ.‏
‎2. قنبل: هو محمد بن عبد الرحمن بن خالد المكي، وقنبل لقبه، توفي سنة 291هـ.‏
‎ ج- نافع المدني: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، توفي بالمدينة سنة 169هـ. وراوياه هما:‏
1. قالون: هو عيسى بن مينا، وقالون لقبه، مات سنة 220هـ.‏
‎2. ورش: هو عثمان بن سعيد المصري، وورش لقبه، مات سنة 197هـ.‏
د- ابن عامر الشامي: هوعبد الله بن عامر اليحصبي القاضي التابعي، توفي سنة 118هـ. وراوياه هما:‏
1. هشام: هو هشام بن عمار الدمشقي المتوفي في سنة 245هـ.‏
2. ابن ذكوان:  هو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، المتوفى سنة 242هـ.‏
‎ هـ- عاصم الكوفي: هو عاصم بن أبي النجود التابعي، المتوفى سنة 128هـ.‏
‎‎ وراوياه هما:‏
‎1. شعبة: هو أبوبكر شعبة بن عباس بن سالم الكوفي، مات سنة 193هـ.‏
‎2. حفص: حفص بن سليمان بن المغيرة البزاز الكوفي، مات سنة 180هـ.‏
‎ و- حمزة الكوفي: هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الفرضي، توفي سنة 156هـ.‏
‎‎ وراوياه هما:‏
‎1. خلف: هو خلف بن هشام البزاز البغدادي، توفي سنة 229هـ.‏
‎2. خلاد: هو خلاد بن خالد الصيرفي الكوفي، توفي سنة 220هـ.‏
‎ ز- الكسائي الكوفي: هو علي بن حمزة الكسائي النحوي، توفي سنة 189هـ.‏
‎‎ وراوياه هما:‏
1. أبو الحارث: هو الليث بن خالد البغدادي، المتوفي سنة 240هـ.‏
2. حفص الدوري: هو الراوي عن أبي عمرو البصري السابق. ‏

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
القراءة :

هي اختيار إمام من الأئمة العشرة لكيفية قراءة اللفظ القرآني

على ما تلقاه مُشافهة متصلَّ السند إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم

كقراءة نافعٍ ، و عاصمٍ ، ابن كثير ، و ابن عامر ، و الكسائي ، و حمزة ...

و كل القراءات توقيفية لا مجال فيها للرأي و الإجتهاد ، و اختلاف

القراءات حق و صواب ، و القراءات السبع الموجودة الآن ليست هي

الأحرف السبعة الواردة في الحديث " أُنزل القرآن على سبعة أحرف " ..

و اختلاف القراءات تؤدي إلى اختلاف الأحكام كما جاء في آية المسح ..

و أما القراءات الشاذة كقراءة عائشة و حفصة رضي الله عنهما تفيد

توجيه المعنى ..

الرواية :

و هي أن لكل إمامٍ تلاميذ روَوْا عنه كيفية قراءته للفظ القرآني ،

كرواية ورشٍ عن نافعٍ ن و حفصٍ عن عاصمٍ ...

الطريق :

و هو ما نُسي للناقل عن الراوي و إن سفل " نزل " ؛ كقولنا :

قراءة الإمام نافع برواية ورشٍ من طريق الأزرق



نزول القرآن على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ


وهذا يجرُّنا للكلام عن الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ..
وقد صَرَّحَ البيان السابق، في الأحاديث المذكورة آنفًا بأَنَّ القرآن الكريم قد نزل على سبعةِ أَحْرُفٍ، ولم ينزل على حرفٍ واحدٍ، وبأيِّ هذه الحروف قرأتِ الأمةُ أصابت.

وأفادتِ الروايات أَنَّ هذه الأحرف مُتَلَقًّاة عن الوحي الإلهيِّ، وليس اختيارًا ولا مذهبًا بشريًّا في القرآن، وإنما هي امتنانٌ من الله عز وجل على هذه الأمة الضعيفة بالتيسير والتخفيف، كما مضى صريحًا في لفظِ الحديث المذكور آنفًا في هذه المسألة..

وقد سبقت الإشارة إلى أَنَّ هذه الأحرف السبعة هي بمثابة المترادفات السبعة للمعنى الواحد، وليست سبعة اختلافات متباينة أو متضادة..

فالخلاف هنا من جنس ((الخلاف اللفظي)) أو سَمِّهِ إِنْ شئتَ ((اختلاف التنوِّعِ)).. فليس اختلافًا حقيقيًّا أو اختلاف تضادٍّ.. وإنما اختلافًا لفظيًّا أو سمِّه اختلافَ تَنَوُّعٍ.

فهي سبعة أوجهٍ متوافقة متوائمة من حيثُ المعنى، مختلفةً من حيثُ اللفظِ، يُستفاد منها تقرير المعجزة بأكثرِ من لفظٍ عربيٍّ صحيحٍ، كما يستفاد منها التخفيف على هذه قبائل العرب جميعًا بمخاطبتِها بلسانها الذي تقدر على النطق به، مع زيادة الإعجاز في المعجزة الواحدة..
فهي معجزاتٌ متعدِّدةٌ في صورةِ معجزةٍ واحدةٍ اسمها ((القرآن الكريم))..



معنى الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ


وهذا يجرُّنا للكلام عن مَعْنى الأَحْرُفِ السَّبْعَةِ

ولنبدأ بنصٍّ واضحٍ في المسألة، ثم نذهب إلى أقوال العلماء لنرى الراجح منها في ذلك.

رَوَى البخاريُّ (4992)، ومسلمٌ (818) من روايةِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ (الْفُرْقَانِ) فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ (الْفُرْقَانِ) عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ))، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ))، ثُمَّ قَالَ: ((اقْرَأْ يَا عُمَرُ)) فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ))أهـ

ولنُلْقِ نظرةً الآن على اختلاف الناس في ذلك، مع المعنى الراجح بأدلَّتِه إن شاء الله عز وجل..

وقد اختلف الناسُ في بيان الأحرف السبعة اختلافًا عظيمًا: فأوصلها بعضهم إلى خمسةٍ وثلاثين قولاً، كما نُقِلَ هذا عن ابن حبان، نقله ابن الجوزي في ((فنون الأفنان)) (67)، والقرطبي في ((تفسيره)) (1/42)، والسيوطي في ((الإتقان)) (1/138)، وغيرهم.

ولَمَّا أشارَ ابنُ حجرٍ في ((فتح الباري)) (4992) إلى كلام ابن حبان؛ قال ابن حجرٍ: ((وقال الْمُنْذِرِيُّ: أكثرُها غيرُ مختارٍ))أهـ

ونقَّح ابنُ الجوزي الأقوال فاختار منها أربعة عشر قولاً، بينما اختار غيره عشرة أو سبعة أو ستةً..إلخ.

وأحجمَ بعضهم عن الكلام في المسألة، وزعم أنها من المتشابه أو المشكل.

وسنقتصر هنا على أشهرِ الأقوال في المسألةِ، وبعد البحث والتمحيص وردِّ النَّظير إلى نظيره: رأيتُ أن أشهر الأقوال في المسألة: قول أبي عبيد ومَنْ معه القائلين بأن المراد بالأحرفِ هنا اللغات، والقول الثاني: قول مَنْ قال: إِنَّ المراد بالأحرفِ السبعة في الحديث تأدية المعنى باللفظِ المرادف ولو كان مِنْ لغةٍ واحدةٍ.

وهذا المشهور في المسألةِ، عند تحرير الأقوال وتمحيصها، وما سواه فعلى نوعين:

النوع الأول: فإما لا عبرة به كقولِ مَنْ قال: إن المقصود بها الخلاف في الحلال والحرام؛ وهذا من أبطلِ الباطلِ، وسيأتي تزييف أبي عبيدٍ له، وقد زَيَّفَه أيضًا أحمد بن أبي عمران فيما رواه الطحاوي عنه، وقال: وهو كما قال، نقل ابن عبد البر في ((التمهيد)) (8/276) ذلك عن ابن أبي عمران والطحاوي وأَيَّدَهما.

والنوع الثاني: يرجع إلى ما سبق عند التمحيص والتحريرِ، كقول مَنْ يقول: المراد بالأحرفِ: التصريف، أو الجمع والتوحيد، أو التذكير والتأنيث، ونحو هذا مما حكاه ابن حبان وابن الجوزي والقرطبي والسيوطي وغيرهم.

ووقع ذلك أيضًا في كلام ابن قتيبة، الذي لَخَّصَ الرازي معناه، وزاد عليه، ثم انتصر له الزرقاني في آخر أمره في كتاب ((مناهل العرفان)).

وعبارة الرازي في ((اللوائح)) في الوجه الأول مثلاً: ((اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث))، وهذا الذي ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ وجهًا واحدًا ذَكَرَهُ ابن الجوزي تبعًا لابن حبان مثلاً وجهين..

وهكذا أكثر الوجوه التي ذكرها البعض وجهين وثلاثة، جمعها غيرهم في وجهٍ، وهذه إحدى أسباب الاختلاف في وجوه الأحرف السَّبْعَةِ بين ظاهر كلام العلماء، والتي يمكن عند التمحيص والتحرير أن نجمع بين كثيرٍ منها، ونزيل عنها إشكال وجود الخلاف فيما بينها.

ومِنْ جهةٍ أخرى، فقد ذكر الرازي وغيره أشياءً بألفاظٍ ذكرها غيرهم بألفاظٍ أخرى، وبإمكاننا إرجاع كلامه المذكور، والذي هو تنقيحٌ لكلام ابن قتيبة كما ذكر ابن حجر، (بل وزاد عليه النصّ على اللهجات)، يمكننا إرجاع الكلام المذكور إلى القول الثاني السابق في أَنَّ المراد بالأحرف السبعة تأدية المعنى باللفظ المرادف حتى وإن كان مِن لغةٍ واحدةٍ، (وسيأتي).

وبهذا يمكن الجمع بين الأقوال التي ظاهرها الاختلاف، وطرح ما يخالف الصواب، لتعود الأقوال بعد ذلك إلى ما قرَّرَهُ أهل اللغة العارفين بها، والتي بها نزل القرآن، وهي التي بها يُفْهَمُ نصوص الإسلام الواردة.

ولذا سأقتصر على القولين السابقين، وأنظر فيهما لاستخلاص الراجح منهما بأدلَّتِه إن شاء الله تعالى كالتالي:

القول الأول: قول أبي عبيدة ومَنْ معه في أَنَّ المقصود بالأحرفِ في الحديث: اللغات.

ولو رجعنا إلى مادة ((حرف)) من كتب اللغة، فسنجد المراد بالأحرف السبعة: سبع لغاتٍ من لغات العرب، وإلى هذا ذهب أبو عبيد في كتاب ((الغريب)) له (2/11، 3/159).

فقال أبو عبيدٍ بعد أَنْ ذَكَرَ اختلافَ الْقَرَأَة من الصحابة في بعض الحروف، وعرضهم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نزول القرآن على سبعة أحرُفٍ، (وقد مضى حديث اختلاف عُمَر وهشام في هذا)؛ قال أبو عبيد عقب ذلك: ((فهذا يُبَيِّنُ لك أَنَّ الاختلافَ إِنَّما هو في اللَّفْظِ، والمعنى واحدٌ، ولو كان الاختلاف في الحلالِ والحرام لما جازَ أَنْ يُقال في شيءٍ هو حرامٌ: هكذا نزلَ، ثم يقول آخر في ذلك بعينه: إِنَّه حلالٌ فيقول: هكذا نزلَ، وكذلك الأمر والنهي; وكذلك الأخبار لا يجوز أَنْ يُقال في خَبَرٍ قد مضى: إِنَّه كان كذا وكذا فيقول: هكذا نزل، ثم يقول الآخر بخلاف ذلك الخبر فيقول: هكذا نزل; وكذلك الخبر المستأنف؛ كخبر القيامة والجنة والنار، ومَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ في هذا شيئًا مِن الاختلافِ فَقَدَ زَعَمَ أَنَّ القرآنَ يُكَذِّبُ بعضُه بعضًا ويتناقض، وليس يكون المعنى في السبعة الأحرف إلا على اللغات لا غير، بِمَعْنًى واحدٍ لا يُخْتَلَفُ فيه في حلالٍ ولا حرامٍ ولا خَبَرٍ ولا غير ذلك))أهـ

وقد ذكر أبو عبيد وعنه ابن الأثير وغيرهما نحو هذا المعنى في مادة ((مرر)) أيضًا، وتُراجع من ((الغريب)) لأبي عبيد، و((النهاية)) لابن الأثير، و((اللسان)) لابن منظور.

وإلى هذا ذهبَ أبو العباس النحوي، وقال الأزهري: ((فأَبو العباس النحْويّ -وهو واحد عصْره- قد ارتضى ما ذهبَ إليه أَبو عبيد واستصوَبه، قال: وهذه السبعة أَحْرُفٍ -التي معناها اللغات- غير خارجةٍ مِن الذي كُتِبَ في مصاحفِ المسلمين التي اجتمع عليها السلَف المرضيُّون والخَلَف المتبعون، فمن قرأَ بحرف ولا يُخالِفُ المصحف بزيادةٍ أَو نقصان أَو تقديم مؤخّرٍ أَو تأْخير مُقَدَّم وقد قرأَ به إمامٌ من أَئمةِ القُرّاء المشتهرين في الأَمصار فقد قرأَ بحرفٍ مِن الحروف السبعة التي نزل القرآن بها، ومِن قرأَ بحرفٍ شاذٍّ يخالف المصحف وخالف في ذلك جمهور القرّاء المعروفين فهو غير مصيبٍ، وهذا مذهب أَهل العلم الذين هم القُدوة ومذهب الراسخين في علم القرآن قديماً وحديثاً، وإلى هذا أَوْمأَ أَبو العباس النحوي وأَبو بكر بن الأَنباري في كتابٍ له أَلَّفَهُ في اتِّباع ما في المصحف الإمام، ووافقه على ذلك أَبو بكر بن مجاهد مُقْرِئ أَهل العراق وغيره من الأَثبات المتْقِنِين، قال: ولا يجوز عندي غير ما قالوا، واللّه تعالى يوفقنا للاتباع ويجنبنا الابتداع))أهـ

وإلى هذا ذهبَ ابنُ الأَثير في مادة ((حرفٍ)) أيضًا من كتابه ((النهاية))، وقال: ((وفيه أَقوال غير ذلك هذا أَحسنها)).

وعبارة ((القاموس المحيط)): ((ونَزَلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ: سَبْعِ لُغاتٍ من لُغَاتِ العَرَبِ، ولَيْسَ مَعْنَاهُ أن يكونَ في الحَرْفِ الواحِدِ سَبْعَةُ أوْجُهٍ وإنْ جاءَ على سَبْعَةٍ أو عَشَرَةٍ أو أكْثَرَ؛ ولكنِ المَعْنَى: هذِهِ اللُّغَاتُ السَّبْعُ مُتَفَرِّقَةٌ في القُرْآنِ))أهـ

وإلى هذا القولِ ذهب أيضًا: ابن عطِيَّة، والطبري في ((تفسيره)) (1/51)، وابن الجوزي في ((فنون الأفنان)) (85)، وغيرهم.

فالمراد بالحديث على هذا القول: ((أُنْزِلَ القرآنُ على سبعِ لغاتٍ))، وهو الوجه الرابع عشر والأخير عند ابن الجوزي في ((فنون الأفنان)) ذَكَرَهُ ابن الجوزي ثم قال: ((وهذا هو القول الصحيح، وما قبلهُ لا يثبُت عند السَّبْكِ، وهذا اختيارُ ثَعْلَب وابن جرير))أهـ

لكن اختلف أصحاب هذا القول في اللغات المقصودة هنا على التعيين، فقيل: لغة لقريشٍ ولغة لليمن ولغة لتميم ولغة لجُرْهُم ولغة لهوازن ولغة لقُضاعة ولغة لطَيٍّ.. وقيل غير ذلك.

قال ابن الجوزي: ((والذي نراه أَنَّ التعيين من اللغات على شيءٍ بعينه لا يصح لنا سنده، ولا يثبت عند جهابذةِ النَّقْلِ طريقه؛ بل نقولُ: نزلَ القرآن على سبعِ لغاتٍ فصيحةٍ مِنْ لغات العرب، وكان بعض مشايخنا يقول: كله بلغة قريشٍ، وهي تشتمل على أصولٍ من القبائل هم أرباب الفصاحة، وما يخرج عن لغة قريشٍ في الأصل لم يخرج عن لغتِها في الاختيار))أهـ

وعلى هذا القول عِدَّة إشكالات، منها: أَنَّه لم يحصر لغات العرب التي فوق السبعة؛ لأنَّ لغات العرب أكثر مِن سبعةٍ؛ ولكنهم أجابوا بأَنَّ المراد هنا مِن لغات العرب أفصحها.

لكنَّ أقوى الإشكالات على هذا القول أَنه مخالفٌ لظاهر الحديث السابق؛ لأن كلا المختلفين هنا (وهما عُمَر وهشام رضي الله عنهما) كان يقْرَأُ بلغةِ قريشٍ، فلا وجه هنا لِمَنْ يقول: إِن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات.

ومِمَّا يرد هذا القول أيضًا: ما ثبتَ قطعيًّا مِنْ حرْقِ عثمان رضي الله عنه للمصاحف بعد نسخ المصحف الإمام، المعروف والمتداول باسم المصحف العثماني، وقد نَسَخَ منه عثمان رضي الله عنه نسخًا وأرسلها إلى الأقطار الإسلامية، دون خلافٍ بينها، وقد ثبتَ قطعيًّا أَمْر عثمان رضي الله عنه لزيد بن ثابتٍ ومَنْ معه مِنْ كَتَبَةِ المصحف العثماني أن يكتبوه بلغة قريشٍ فإنما نزل بها القرآن، (وقد مضى ذلك في مداخلة سابقة في الموضوع عن عثمان رضي الله عنه، ولعلي أعيده ثانية في مداخلةٍ لاحقةٍ).

وعُلِمَ قطعيًّا (كما سبق) مِنْ قولِ عثمان رضي الله عنه أَنَّه لم يُغَيِّر شيئًا في القرآن من مكانه؛ إِذْ قدِ التزم الواردَ المسموع مِن لفظِ النبي صلى الله عليه وسلم، ونسخَ منه المصحفَ العثماني المعروف بالمصحف الإمام، فَعُلِمَ مِنْ ذلك أَن الأحرف السَّبَعْةِ المذكورة في الحديث لابد وأَنْ تكون موجودةً في لغة قريشٍ نفسها..

قال ابن حجرٍ في ((فتح الباري)): ((وقال أبو حاتم السِّجِسْتَانِيُّ: نَزَلَ بلغةِ قُرَيْش وَهُذَيْل وَتَيْم الرَّبَاب وَالأَزْد وَرَبِيعَة وَهَوَازِن وَسَعْد بْن بَكْر وَاسْتَنْكَرَهُ اِبْنُ قُتَيْبَة وَاحْتَجَّ بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} فعلى هذا فتكون اللُّغَات السَّبْع في بُطُون قُرَيْش, وبذلكَ جَزَمَ أبو عليٍّ الأَهْوَازِيّ)).

وقال ابن حجر: ((ومِنْ ثَمَّ أَنْكَرَ عُمَر على ابن مسعود قراءَته (عَتَّى حِين) أَيْ: (حَتَّى حِين) وكتبَ إليه: إِنَّ القرآن لم ينزل بلغةِ هُذَيْل فَأَقْرِئِ النَّاس بلغةِ قُرَيْش ولا تُقْرِئهُمْ بلغة هُذَيْل))أهـ [وانظر: التمهيد لابن عبد البر 8/278].

ولكن خالف ابنُ قتيبة –كما نقل ابن حجرٍ عنه- في أول ((تفسير الْمُشْكِل)) له فقال: ((كان مِن تيسير الله أَنْ أمر نَبِيَّه أَنْ يَقْرَأ كُلُّ قَوْمٍ بلغتهم, فَالْهُذَلِيّ يَقْرَأ (عَتَّى حِين) يُرِيد {حَتَّى حِين}، وَالأَسَدِيّ يَقْرَأ (تِعْلِمُونَ) بِكَسْرِ أَوَّله, وَالتَّمِيمِيُّ يَهْمِز، وَالْقُرَشِيّ لا يَهْمِز)). قال ابن قتيبة: ((ولو أراد كلُّ فريقٍ منهم أن يزول عن لُغتِه وما جرى عليه لسانُه طفلاً وناشئًا وكهلاً لَشَقَّ عليه غاية المشقَّةِ، فَيَسَّرَ عليهم ذلك بِمَنِّهِ, ولو كان المراد أَنَّ كلَّ كلمةٍ منه تُقْرَأ على سبعةِ أوجُهٍ لقال مثلاً: (أُنْزِلَ سَبْعَة أَحْرُف), وَإِنَّمَا المراد أَنْ يَأْتِي في الكلمة وجهٌ أو وجهانِ أو ثلاثة أو أكثر إلى سبعةٍ))أهـ

وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (8/280): ((قول من قال أن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي: في الأغلب والله أعلم؛ لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراآت من تحقيق الهمزات ونحوها وقريش لا تهمز)).

ولكن إذا كان هو الأغلب كما يقرر ابن عبد البر فالحكم للأغلب، والنادر لا حُكم له، فلا إشكال في وجود بعض الكلمات بغير لغة قريشٍ؛ لأنها ليست الأصل فيه، ولا غالبة عليه..

وما ذهب إليه عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، هو الموافق لعمل عثمان رضي الله عنه الذي أجمع عليه الصحابةُ فيما بَعْدُ، بل أجمعتْ عليه الأمة قاطبةً.

ولذا قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (8/280): ((وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أُنْزِلَ القرآن على سبعة أحرفٍ): سبع لغاتٍ، وقالوا: هذا لا معنى له؛ لأنه لو كان ذلك لم يُنْكر القوم في أولِ الأمر بعضهم على بعضٍ؛ لأنه من كانت لغته شيئًا قد جبل وطبع عليه وفطر به لم يُنْكَر عليه، وفي حديث مالكٍ عن ابن شهابٍ المذكور في هذا الباب [وهو الحديث السابق في اختلاف عُمَر وهشام] رَدُّ قولِ مَن قالَ: سبع لغاتٍ؛ لأن عمر بن الخطاب قرشي عدوي وهشام بن حكيم بن حزام قرشي أسدي، ومُحَال أَنْ يُنكر عليه عُمر لغتَه؛ كما محال أن يُقْرِئَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واحدًا منهما بغيرِ ما يعرفه مِن لُغَتِه، والأحاديث الصحاح المرفوعة كلها تدلّ على نحوِ ما يدل عليه حديثُ عُمَرَ هذا، وقالوا: إنما معنى السبعة الأحرف: سبعة أوجهٍ من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظٍ مختلفةٍ؛ نحو: أَقْبِلْ وتَعَالَ وهَلُمَّ، وعلى هذا الكثير مِنْ أهلِ العلمِ)).

وذكر ابن عبد البر بعض الروايات ثم قال: ((وهذا كله يعضد قول مَن قال: إِنَّ معنى السبعة الأحرف المذكورة في الحديث: سبعة أوجهٍ من الكلام المتفق معناه، المختلف لفظه؛ نحو: هَلُمَّ وَتَعَالَ وَعَجِّلْ وَأَسْرِعْ وأَنْظِرْ وَأَخِّر، ونحو ذلك، وسنورد من الآثار وأقوال علماء الأمصار في هذا الباب ما يتبين لك به أَنَّ ما اخترناه هو الصواب فيه إن شاء الله، فإنه أصح من قول من قال: سبع لغات مفترقات؛ لما قدمنا ذكره، ولما هو موجود في القرآن بإجماعٍ من كثرةِ اللغات المفترقات فيه، حتى لو تقصيت لَكَثُرَ عددها، وللعلماء في لغات القرآن مؤلفاتٌ تشهد لما قلنا)).

وأوردَ ابنُ عبد البر الروايات الشاهدة لذلك، ونقل موافقة الطحاوي له فيما ذهب إليه.

القول الثاني: قولُ مَنْ قال: المراد بالأحرفِ السبعةِ تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان مِن لغةٍ واحدةٍ:

فلننظر قول عمر: ((فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))، فهو قد عَرِف الحروف بمجرد سماعه لها، وعَبَّرَ عنها بالحروفِ، كما عَبَّر الحديث بالأحرف السبعةِ، فلزم علينا أَنْ نفهمَ المراد بالحروف مِن خلال لغة العرب الفصيحة الواضحة الظاهرة التي تكلمت بها نصوص الإسلام، مع الالتزام بظاهر لغة العرب دون تأويلٍ؛ إلا لقرينةٍ تُخْرِجنا من الظاهر الصريح الواضح إلى غيره.. لأَنَّه لابد وأَنْ نرجع إلى اللغة التي نزل بها النص عندما لا نجد تفسيرًا للنصِّ من خلال النصِّ، ففي عدم التفسير إحالةٌ على المعهود المعروف مِن لغةِ العرب، وهي التي فَهِم منها عُمَرُ رضي الله عنه معنى الأحرف السبعة الموجودة في الحديث؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد خاطبَ بها عُمر وغيره، ولم يُفَسِّر المراد من الأحرف السبعة؛ فدلَّ ذلك على أنَها كانت معروفة ومفهومة لديهم من لُغَة العرب الظاهرة الواضحة..

وهذا يؤكد أنها ليست هي ((سبع لغات)) كما سبق في القول الأول؛ لأن تأويلها بـ (سبع لغات) خروجٌ عن ظاهر اللفظ لغةً إلى معنًى آخر يحتاج في إثباته إلى قرينة، ولا قرينة هنا تؤيِّد الخروج عن الظاهر إلى التأويل، كما ترى؛ لأنَّ كلا الْمُخْتَلِفَيْن هنا (عُمر وهشام) كانا يتبعان لغةً واحدةً، وقد نَبَّه على ذلك ابنُ عبد البر وغيره..

إِذن ما المراد بالحرف هنا؟
المراد بالحرفِ هنا: القِراءة التي تُقرأُ على أَوجُه، هذا ما نجده في لغةِ العرب، مختصًّا بموضوعنا، ويُطلق الحرف أيضًا على الجهةِ والطَّرَف، كما يطلق على حَرْفِ الهجاء المعروف، وله إطلاقات أخرى، لكن الذي يهمنا هنا معناه الخاص بموضوعنا في الأحرف السَّبْعة.

((قال الخليل بن أحمد: معنى قوله سبعة أحرفٍ: سبع قراءات. والحرف هاهنا القراءة))؛ نقَلَهُ ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) (8/274).

وحكى ابنُ منظور في مادة ((حرف)) هذا المعنى عن ابن سيدة أيضًا.

وقال الأزهري: ((وكلُّ كلمة تُقْرَأُ على الوجوه مِن القرآن تُسَمَّى حَرْفاً، تقول: هذا في حَرْف ابن مسعود؛ أَي: في قراءةِ ابن مسعود))أهـ

وفي ((الْمُغْرِب في ترتيب الْمُعْرِب)) للمطرز (1/196): ((وأما قوله: (نزَل القرآن على سبعة أحرفٍ) فأحسنُ الأقوال أنها وجوه القراءة التي اختارها القُراء، ومنه فلان يقرأُ بحرفِ ابنِ مسعود))أهـ

قال ابن حجر: ((قَوْله : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ)؛ أَيْ: مِنْ الْمُنْزَل. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى الْحِكْمَة فِي التَّعَدُّد الْمَذْكُور, وَأَنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْقَارِئ, وَهَذَا يُقَوِّي قَوْل مَنْ قَالَ: الْمُرَاد بِالأَحْرُفِ تَأْدِيَة الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ الْمُرَادِف وَلَوْ كَانَ مِنْ لُغَة وَاحِدَة؛ لأَنَّ لُغَة هِشَام بِلِسَانِ قُرَيْش وَكَذَلِكَ عُمَر, وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ اِخْتَلَفَتْ قِرَاءَتهمَا. نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ اِبْن عَبْد الْبَرّ, وَنَقَلَ عَنْ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَة)).

وقد مضى كلام ابن عبد البر بنصِّه قبل قليل في التعقيب على القول السابق، فلا داعي لإعادته هنا.

وإلى هذا ذهب الطحاوي وغيره أيضًا كما مضى.

ومما يُبَيِّن ذلك: قول ابن مسعود: ((إِنِّي قد سمعتُ الْقَرَأَةَ فوجدتُهم متقاربين فاقرأُوا كما عُلِّمْتِمْ، إنما هو كقولِ أَحدِكم: هَلُمَّ وتَعَالَ وأَقْبِلْ)).

وقولُ ابن مسعودٍ هذا ذكره ابن حجر وغيره مُعَلَّقًا بدون إسناد، وقد أسندهُ الطبري في ((التفسير))، وغيره، بإسنادٍ صحيحٍ عنه.

وهذا القول يوافق ظاهر الحديث السابق في قصة عُمَر مع هشام رضي الله عنهما، واختلافهما في القراءة، رغم أنهما يتبعان لغةً واحدةً، وكذا ينتظم أكثر الأقوال الأخرى، ولا يعارضها.

لأَنَّ اللفظ المرادف الدالَّ على المعنى مع اختلاف اللفظ: ينتظم الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث والتصريف والإعراب وغير ذلك من الوجوه التي ذكرها جماعةٌ من العلماء، فترجع إليه عدة أقوالٍ مِن أقوال العلماء في هذا الباب.

ومِمَّا يمكن إرجاعه له مثلاً: قول ابن قتيبة، ثم تنقيح الرازي له وزيادته عليه، وهو الرأي الذي انتصر له الزرقاني في ((المناهل))، وقد ذكره ابن حجر بشيءٍ من التعقيب، فأردتُ أن أنقله مِن عنده.

قال ابن حجر: ((وَقَدْ حَمَلَ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره الْعَدَد الْمَذْكُور عَلَى الْوُجُوه الَّتِي يَقَع بِهَا التَّغَايُر فِي سَبْعَة أَشْيَاء: الأَوَّل: مَا تَتَغَيَّر حَرَكَته وَلا يَزُول مَعْنَاهُ وَلا صُورَته, مِثْل: {وَلا يُضَارّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيد} بِنَصْبِ الرَّاء وَرَفْعهَا. الثَّانِي: مَا يَتَغَيَّر بِتَغَيُّرِ الْفِعْل مِثْل: (بَعُدَ بَيْن أَسْفَارنَا) وَ {بَاعِدْ بَيْن أَسْفَارنَا} بِصِيغَةِ الطَّلَب وَالْفِعْل الْمَاضِي. الثَّالِث: مَا يَتَغَيَّر بِنَقْطِ بَعْض الْحُرُوف الْمُهْمَلَة مِثْل: (ثُمَّ نُنْشِرُهَا) بِالرَّاءِ وَالزَّاي. الرَّابِع: مَا يَتَغَيَّر بِإِبْدَالِ حَرْف قَرِيب مِنْ مَخْرَج الْآخَر مِثْل: {طَلْح مَنْضُود}، فِي قِرَاءَة عَلِيٍّ: (وَطَلْع مَنْضُود). الْخَامِس: مَا يَتَغَيَّر بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِير مِثْل: {وَجَاءَتْ سَكْرَة الْمَوْت بِالْحَقِّ}، فِي قِرَاءَة أَبِي بَكْر الصَّدِيق وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف وَزَيْن الْعَابِدِينَ: (وَجَاءَتْ سَكْرَة الْحَقّ بِالْمَوْتِ). السَّادِس: مَا يَتَغَيَّر بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير عَنْ اِبْنِ مَسْعُود وَأَبِي الدَّرْدَاء: (وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَار إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى)، هَذَا فِي النُّقْصَان, وَأَمَّا فِي الزِّيَادَة: فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب}، فِي حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ, وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ). السَّابِع: مَا يَتَغَيَّر بِإِبْدَالِ كَلِمَة بِكَلِمَةٍ تُرَادفهَا مِثْل: {الْعِهْن الْمَنْفُوش}، فِي قِرَاءَة اِبْنِ مَسْعُود وَسَعِيد بْن جُبَيْر: (كَالصُّوفِ الْمَنْفُوش).

وَهَذَا وَجْهٌ حَسَن؛ لَكِنْ اِسْتَبْعَدَهُ قَاسِمِ بْن ثَابِت فِي (الدَّلَائِل)؛ لِكَوْنِ الرُّخْصَة فِي الْقِرَاءَات إِنَّمَا وَقَعَتْ وَأَكْثَرهمْ يَوْمَئِذٍ لا يَكْتُب وَلا يَعْرِف الرَّسْم, وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُرُوف بِمَخَارِجِهَا. قَالَ: وَأَمَّا مَا وُجِدَ مِنْ الْحُرُوف الْمُتَبَايِنَة الْمَخْرَج الْمُتَّفِقَة الصُّورَة مِثْل: (نُنْشِرُهَا) وَ (نُنْشِرُهَا) فَإِنَّ السَّبَب فِي ذَلِكَ تَقَارُب مَعَانِيهَا, وَاتَّفَقَ تَشَابُه صُورَتهَا فِي الْخَطّ.

قُلْت [القائل ابن حجر]: وَلا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ تَوْهِين مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْنُ قُتَيْبَة, لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الانْحِصَار الْمَذْكُور فِي ذَلِكَ وَقَعَ اِتِّفَاقًا, وَإِنَّمَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالاسْتِقْرَاءِ, وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة الْبَالِغَة مَا لا يَخْفَى. وَقَالَ أَبُو الْفَضْل الرَّازِيَُّ: الْكَلام لا يَخْرُج عَنْ سَبْعَة أَوْجُهٍ فِي الاخْتِلاف: الأَوَّل: اِخْتِلاف الأَسْمَاء مِنْ إِفْرَاد وَتَثْنِيَة وَجَمْع أَوْ تَذْكِير وَتَأْنِيث. الثَّانِي: اِخْتِلاف تَصْرِيف الأَفْعَال مِنْ مَاضٍ وَمُضَارِع وَأَمْر, الثَّالِث: وُجُوه الإِعْرَاب, الرَّابِع: النَّقْص وَالزِّيَادَة, الْخَامِس: التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير, السَّادِس: الإِبْدَال, السَّابِع: اخْتِلاف اللُّغَات كَالْفَتْحِ وَالإِمَالَة وَالتَّرْقِيق وَالتَّفْخِيم وَالإِدْغَام وَالإِظْهَار وَنَحْوِ ذَلِكَ. قُلْت [القائل ابن حجر]: وَقَدْ أَخَذَ [يعني الرازي] كَلامَ ابْنِ قُتَيْبَة وَنَقَّحَهُ))أهـ

والرازي لم يُنَقِّح كلام ابن قتيبة فقط، وإنما زاد عليه اختلاف اللهجات أيضًا.

لكن لا يَغِيِّبَنَّ عن بالك أَنَّ توهين قاسم بن ثابت لكلام ابن قتيبة وجيهٌ جدًَّا من حيثُ حصر الأحرف السَّبْعَة في الوجوه التي ذكرها ابن قتيبة؛ لأنَّه بإمكان غيره أن يزيد عليها أو ينقص منها، كما زاد الرازي عليه مثلاً اختلاف اللهجات في النطق باللفظِ الواحدِ، وقد اعترف ابن قتيبة بهذا الاختلاف وكذا ابن الجزري، لكنهما لم يعتبراه من وجوه الأحرف السَّبْعَةِ، في الوقت الذي اعترفا بتأثيرِه على النطق باللفظ الواحد.

بل لم يذكر ابن قتيبة غير هذا الفارق في أول ((المشكل)) كما سبق النَّقْل عنه قبل قليل، وحصر غيره الأحرف السَّبْعة في اختلاف اللهجات فقط..

ولا يَغِيْبَنَّ عنك أنَّ القرآن قد نزل على أُمَّةٍ أُمِّيَّة لا تقرأ ولا تكتب، وإنما كانت تعرف الفصاحة والبلاغة نطقًا وسماعًا، فهي إنما تعرف مخارج الحروف لا رسمها وطريقة كتابتها، هذا هو الأصل في الأمة آنذاك، ولذا فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم التخفيف مرارًا عن هذه الأمة الأُمِّيَّة، حتى أوصلها إلى سبعةِ أحرُفٍ يمكن للقارئ أن يقرأ بها، يعني سبع وجوهٍ يمكن للقارئ أن يَقْرَأَ بها..

هذا هو المتبادر الظاهر في معنى الأحرُف من لغة العرب، ثم هو الموافق لظاهر الحديث كما سبق، وإليه ذهب الخليل بن أحمد والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم كما سبق.

وهذه الوجوه: يمكن أَنْ تكون اختلافًا في اللهجة، أو في التصريف، أو الإعراب، أو التذكير والتأنيث، وغير ذلك من الوجوه المقبولة مِمَّا ذَكَرَهُ العلماء من حيثُ تحليل اللفظ والنَّظَر إلى كيفية الاختلاف بين اللفظين المقروء بهما..

ولكن ينبغي التفريق هنا بين أمرين:

الأول: بين الأحرف السبعة الواردة في الحديث.

الثاني: وجوه اختلاف الأوجه السبعة، وكيفية الخلاف فيما بينها.

فالثاني هنا مترتِّبٌ على الأول، وأثرٌ له، وليس سابقًا عليه، ولاشكَّ أنَّ حصر الأحرف السبعة في وجوه اختلافها خطأٌ عظيم؛ لأنَّه يعني الخلط بين الأحرف السبعة نفسها، وبين الأثر المترتِّب عليها، من البحث في وجوه اختلافها وفائدتها وكيفيتها وغير ذلك، فهذه الأبواب كلّها آثارٌ مترتِّبةٌ على وجود الأحرف السبعةِ، وليست فصولاً ولا مُقَدِّماتٍ سابقةٍ على وجودها..

نعم وليس تفسيرًا للأحرف السبعة؛ لأنَّه لابد في التفاسير والحدود في مثل هذا أن تكون شاملةً لكافة وجوه الْمُفَسَّرِ وبيان جوانبه؛ وهذا ما تفتقده التفسيرات آنفة الذِّكْر وكثير مما يشبهها؛ لخلوِّها عن تعريف الأحرف السبعة على الحقيقةِ..

ومِن هنا نستطيع أن نقول: إِنَّ تعريف الأحرُف السبعة والمراد منها لم يُخْتَلَف فيه على الحقيقةِ، وإِنَّما وردَ الاختلاف في كيفية التفريق بين الأحرُف السبعة، وما يميِّز كلَّ حرفٍ منها عن مثيلِه في موضعٍ بعينه، فالأول مُذكَّر والثاني مؤَنَّث، أو الأول جمع والثاني مُفْرد، أو الأول مرفوع والثاني منصوب، وهكذا سائر وجوه التفريق والتمايز بين الأحرف السبعة..

ومِمَّا يُؤْسَفُ له حقيقةً أن تنتقلَ المعركة في التفريق بين الأحرُف أو التمييز بينها في موضعٍ بعينه إلى مجال بيان الأحرف السبعة تعريفًا من حيثُ المراد منها، بحيثُ صار الخلاف محصورًا وعبر سنواتٍ في أثرٍ من آثار الأحرف السبعة، في الوقت الذي اختفى فيه البحث في تعريف الأحرف السبعة إلا نادرًا!!

وهذا الذي ذكرتُه لك هو خلاصة ما مَنَّ الله عز وجل به على العبد الضعيف كاتب هذه السطور، وآمل أَنْ يفتح الله عز وجل القلوب والأبصار له فتعي ما أردتُه وتنصح فيه..

ويمكنني أَنْ أُلَخِّصَ لك نتائجُ ما سبق هنا في الآتي:

أولاً: أن الراجح في تعريف الأحرف السبعة هو: سبعة وجوه أو سبعة قراءات بألفاظٍ مختلفةٍ للمعنى الواحد، أو هو تأدية المعنى الواحد بأكثر من لفظٍ، نحو أَقْبِلْ، هَلُمَّ، تَعَالَ.

ثانيًا: اختُلِفَ في صورة المخالفة والتمييز بين وجوه الأحرف السَّبْعَةِ على وجوهٍ يمكن الجمع بينها، لكنها جميعًا ليست تعريفاتٍ للأحرفِ السبعة، وإنما هي أثرٌ من آثارِ البحث في الأحرف السبعة، وتمييز بعضها مِن بعضٍ..

لكن لابد من التنبيه هنا على أمور:

الأول: أَنَّ هذه الوجوه هي بمثابة المترادفات لمعنًى واحدٍ، وليست اختلافًا حقيقيًّا أو اختلاف تضادّ، وإنما هي اختلاف تنوُّع في اللفظِ للتعبيرِ عن مَعْنًى واحدٍ، زيادةً في البلاغة والفصاحة وتقرير المعجزة القرآنية..

الثاني: أنها وحي، وليست من اختيار البشر، بل هي جزءٌ مِن الوحي، تلقَّاها النبي صلى الله عليه وسلم وحيًا، وعَلَّمَها أصحابُه صلى الله عليه وسلم، فبلَّغوها مَنْ بعدَهم..

الثالث: أنها متفرِّقة في القرآن الكريم كله، ولا يعني نزوله على سبعة أحرفٍ أن كل كلمة منه تُقْرأ على سبعةِ أوجهٍ، فهذا مما لم يقل به أحدٌ قط، وقد أنكره العلماء ونبهوا عليه، وقد مضى تنبيه أبي عبيد وابن عبد البر وغيرهما على هذا.

الرابع: لا يصح اعتقاد الزيادة في القراءة على سبعةِ أوجهٍ؛ لأنَّه لم يزد في الحديث على سبعةٍ، وما ذكروه في نحو {أُفٍّ} زيادةً على ثلاثين وجهًا كما حُكِي عن الرماني فلا يصح، فإما أنْ يعود إلى سبعةِ أوجهٍ، أو يُؤْخَذ منه الأوجه السبعة الموافقة للمصحف، ويُتْرَك ما سواها.

الخامس: أَنَّ الأحرف السبعة شيءٌ والقراءات السبعة التي صنَّفها بعض القُرَّاء شيءٌ آخر، وليسا واحدًا، وقد نَبَّه على ذلك الجماعات من أهل العلم قديمًا وحديثًا، كابن عبد البر وابن حجر وغيرهما..

وقد صنَّفَ ابن مجاهد والشاطبي وغيرهما قراءة سبعةً من الأئمة، ففهم بعضهم من ذلك أنها الأحرف السبعة، أو أنه لا يصح غيرها، وليس كذلك، بل ربما كان في القراءات العشر ما هو أكثر شهرةً مما ذكره ابنُ مجاهد وغيره في تصنيفهم قراءات سبعة من الأئمة، ومَرَدّ ذلك كله على الِعلْم والاطلاع وطريقة التصنيف، وليس المراد لابن مجاهد ولا الشاطبي ولا غيرهما من أئمة القراءات توهين قراءة غير هؤلاء الأئمة السبعة الذين صنَّفوهم، وإنما المراد جمع قراءات سبعة أئمة، كما جمع غيرهم قراءات عشرة أئمة، لكنها جميعًا سواءٌ كانت لسبعةٍ أو لسبعين أو لسبعمائة لا تخرج عن الأحرُفِ السَّبْعَة التي نزل بها القرآن الكريم..

فالحديث يتكلَّم عن وجوهٍ سبعةٍ في القراءة، وأما ابنُ مجاهد ونحوه فمرجع الكلام عندهم عن سبعة أئمة..

وبعبارةٍ أخرى: الحديث يتكلم عن وجوهٍ قرآنيةٍ، وابن مجاهد وأمثاله اختاروا سبعةَ أئمةٍ مِمَّن نقلوا هذه الوجوه القرآنية، فقيَّدوا ما نقلوه..

فالأئمة السبعة المذكورون عند ابن مجاهدٍ مثلاً هم من نَقَلَةِ الوجوه القرآن الذي نزل على سبعة أحرُفٍ، كما أن غيرهم من العشرة أو غيرهم قد شاركهم في نقل القرآن الكريم، وإِنَّما عُنِيَ العلماء بهؤلاء الأئمة نظرًا لدقَّتِهم وعنايتهم وتفرُّغهم لإتقان النَّقْل والرواية والسماع للقرآن الكريم.

فهذا كما ترى ليس اختلافًا ولا ترادفًا، وإنما هو قرآنٌ نزل على سبعةِ أحرُفٍ، ونقلَهُ الكافَّةُ من الناس إلى مَنْ بعدَهم، فبرزَ من بين النَّقَلَةِ أئمة كبار، اختار ابنُ مجاهدٍ مثلاً سبعةً منهم، فصنَّفَ رواياتهم وسماعهم في كتابه، بينما اختار آخرون غير زيادة على ما اختاره ابنُ مجاهدٍ من أئمةٍ، لكنَّهم جميعًا يدورون في فلك نقل القرآن الكريم الذي نزل على سبعةِ أَحْرُفٍ..

 
‎‎ أ- آداب قارئ القرآن :‏
‏
ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بالآداب التالية:‏
1.الإخلاص :‏
  أن يريد بقراءته وجميع عباداته وجه الله عز وجل ، والتقرب إليه دون شيء آخر، من مال، أو رياسة، أو وجاهة، أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء عند الناس، أو صرف وجوه الناس إليه، أو غير ذلك مما سوى التقرب إلى الله تعالى.
‎‎ - قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } [البينة: 5].‏
‎‎ - وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) رواه البخاري ومسلم.‏
‎2.تعظيم القرآن وتكريمه:‏
‏
يجب تعظيم القرآن الكريم وتنزيهه وصيانته وعدم الاستخفاف به، ومن مظاهر تعظيمه وتكريمه:‏
‎‎ - اجتناب الضحك والحديث في أثناء القراءة، إلا كلاماً يضطر إليه .‏
‎‎ - عدم مس المصحف لمن كان به حدث أكبر من جنابة أو حيض.‏
‎‎ - عدم توسده.‏
‎‎ - عدم بيعه لغير المسلم.‏
‎‎ - عدم السفر به إلى بلاد الكفر إذا خيف وقوعه في أيدي من لا يراعي حرمته.‏
‎‎ - منع المجنون والصبي الذي لا يميز من مسه مخافة انتهاك حرمته.‏
‎‎ -   إلى غير ذلك مما يتنافى مع حرمته وتعظيمه.‏
3. تعاهد القرآن وتكرار ختمه:‏
- يستحب الإكثار من قراءة القرآن وتلاوته ، فقد قال تعالى مثنياً على من كان ذلك دأبه:  
 {يتلون آيات الله آناء الليل } [آل عمران: 113].‏
‎‎ وقال صلى الله عليه وسلم (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها ) رواه الدارمي الترمذي، وقال حسن صحيح .‏
‎‎ - ويستحب إذا فرغ من ختم القرآن أن يشرع في أخرى عقيب الختمة، وكان ذلك دأب السلف الصالح.‏
‎4.تدبره وتفهمه وتعقل معانيه:‏
‏
‎- ‏ينبغي قراءة القرآن بالتدبر والتفهم، قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته } [ص: 29].‏
‎‎ - والمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض معانيه، فكان كالمرآة يرى بها ما حَسُن من فعله وما قَبُح، فما حذّره مولاه حَذِره، وما خوّفه به من عقابه خافه، وما رغّب فيه مولاه رَغِب فيه ورجاه.‏
‎‎ - وقراءة القليل مع التدبر والتفكر فيه أفضل من قراءة الكثير من غير تدبر ولا تفكر. قال رجل لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث؟ فقال ابن عباس: لأَن أقرا البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إليّ من أن أقرأ كما تقول.‏
5.العمل به واتباع أوامره واجتناب نواهيه:‏
‏
‎- ‏ إن المقصود الأهم من إنزال القرآن الكريم هو العمل به، وذلك باتباع ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه.‏
‎‎ - فلا يليق بالمسلم أن يقيم حروف القرآن، ويضِّيع أحكامه وحدوده. إنه بذلك يتعرّض لسخط الله وغضبه.‏
‎‎ قال أنس رضى الله عنه: ربّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه.
6. تعليمه وإقراؤه للناس:‏
‏
- تعليم القرآن لمن لا يعلمه من أفضل القربات والطاعات، وقد رتَّب الله عز وجل عليه الأجر الكثير، وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على معلِّم القرآن، وجعله خير الناس وأفضلهم، قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه ) رواه البخاري.
‎‎ - وقد تسابق أهل الخير والصلاح إلى هذا الفضل ، فبنوا المدارس لتعليم وتحفيظ القرآن الكريم، وأنفقوا الأموال الطائلة لتسهيل تعلم القرآن وحفظه على الناس، وتيسير سبله.‏
‎‎ - وقد هيأ الله سبحانه وتعالى في كل عصر وفي كل مصر من يحمل لواء تعليم القرآن الكريم وتدريسه، مصداقاً لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [الحجر: 9]. وهذا مظهر من مظاهر حفظه.‏
‏
ب- آداب تلاوة القرآن :‏
‏
ينبغي لقارئ القرآن أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى فيراعي الأدب مع القرآن ومع كلامه سبحانه، فمن الآداب التي ينبغي مراعاتها وتعاهدها:‏
‎‎1. الطهارة:‏
‏
- يستحب لمن أراد قراءة القرآن من ليل أونهار أن يتطهر لذلك وأن يستاك، لأن في ذلك تعظيماً للقرآن الذي هو كلام الله عز وجل، ولأن الملائكة تدنو منه عند تلاوته للقرآن.
‎‎ - ويجوز له أن يقرأ من غير طهارة، لكن لايمس المصحف بل يقرأ من حفظه.‏
‎‎ - أما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن، سواء كان آية أو أقل منها، ويرخص للحائض عند الضرورة، كخوف نسيان أو في مقام التعليم أن تقرأ القرآن وتحمله مع وجود حائل كالقفازين. ‏
‎‎ - ويباح للجنب أو الحائض إذا ظهرت عند عدم وجود الماء التيمم وقراءة القرآن والصلاة.‏
‎2. القراءة في مكان ملائم:‏
‎- ‏ يستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، وأفضل الأماكن المسجد، لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة. وتكره القراءة في مكان مستقذر، كأماكن قضاء الحاجة والمزابل ونحو ذلك.‏
- ويستحب عند القراءة أن يستقبل القبلة.‏
3.‏ الاستعاذة والبسملة:‏
‏
إذا أراد الشروع في القراءة فإنه يستحب له أن يستعيذ، لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [النحل: 98]. أي: إذا أردت القراءة.‏
‎‎ - وصفة الاستعاذة المختارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.‏
‎‎ ومن استعاذ بغيرها من الصيغ الواردة فجائز. ‏
‎‎ ويجهر بالاستعاذة إذا كان بحضرة من يسمعه، لأن الجهر بالتعوذ إظهار شعار القراءة، وحتى ينصت السامع للقراءة من أولها لئلا يفوته منها شيء.‏
‎‎ - وإذا قطع القراءة أو فصلها بفاصل وطال استأنف الاستعاذة. ‏
‎‎ - وأن يقول بعدها: بسم الله الرحمن الرحيم
‎‎ - ويستحب أن يحافظ على قراءة البسملة في أول كل سورة سوى براءة.‏
4. ومن آداب التلاوة: ‏
‎‎ حضور القلب، والخشوع والتدبر للمقروء.‏
‏
‎- ‏وأن يقرأ القرآن جالساً متخشعاً بسكينة ووقار مطرقاً رأسه، ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً أو على فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر، ولكن ذلك خلاف الأَولى.‏
‎- ويستحب أن يُحضر قلبه الحزن عند القراءة وأن يتباكى، وأن يتأمل مافيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في ذلك، قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشآءُ ومن يضلل الله فماله من هاد } [الزمر: 23].‏
‎‎ فإن لم يحضره حزن وبكاء، فليبك على فقد ذلك، فإنه من أعظم المصائب.‏
‎‎ - وقد ذم الله عز وجل من استمع القرآن فلم يخشع له قلبه فقال: {أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون }. [النجم: 59-60] . ‏
‎5. الترتيل والتجويد:‏
‏
‎- ‏يستحب للقارئ أن يرتل قراءته؛ لما فيه من التدبر والتفكر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيراً في القلب، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا }. [المزمل: 4]. ‏
‎‎ - وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل .‏
‎‎ - قال رجل لابن مسعود: "إني قرأت المفصل في ركعة ، فقال ابن مسعود: هذّاً كهَذّ الشّعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين سورتين في كل ركعة ". متفق عليه وهذا لفظ مسلم.‏
‎6. تحسين الصوت بالقرآن:‏
‏
‎- ‏يستحب تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها، فإن لم يكن حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، قال صلى الله عليه وسلم: (زيِّنوا القرآن بأصواتكم ) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه.‏
‎‎ - وقال البراء رضي الله عنه: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون ، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه " رواه البخاري ومسلم.‏
‎‎ - ويستحب طلب القراءة من حسن الصوت والإصغاء إليها ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اقرأ عليَّ القرآن "فقلت " يارسول الله ، أقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري ). رواه البخاري ومسلم.‏
‎‎ وكان جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يطلبون ممن صوته حسنٌ قراءة القرآن .‏
‎‎ - وينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله عز وجل قد خصّه بخير عظيم، وليجعل مراده حين يقرأ للناس أن ينتبه أهل الغفلة من غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل، وينتهوا عما نهاهم، وبهذا ينتفع بحسن صوته وينتفع الناس به.‏
7. السجود عند آيات السجود:‏
‏
‎- ‏يسن للقارئ والمستمع أن يسجد للتلاوة كلما مرّ بسجدة، وسواء كان في الصلاة أو غيرها، فإنه بذلك يرضي رّبه عز وجل، ويغيظ عدّوه الشيطان.‏
‎‎ قال صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويلتى، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيته فلي النار ) رواه مسلم.‏
‎- وفي القرآن خمس عشرة سجدة، وردت في السور التالية: الأعراف:206، والرعد: 105، والنحل: 50، والإسراء: 109، ومريم: 58، وفي الحج سجدتان: 18-77، والفرقان: 60، والنمل: 26، والسجدة: 15، وص: 24، وفصلت: 38، والنجم: 62، والانشقاق: 21، والعلق: 19.‏
‎- ويستحب لمن يسجد للتلاوة: أن يسبح ثلاث مرات (سبحان ربي الأعلى ) ثم يقول: (اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته، تبارك الله أحسن الخالقين ). رواه مسلم . ‏
‎- ويقول: (اللهم اكتب لي بها عندك أجراً ، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود ). رواه الترمذي ، وحسنه الألباني.‏
‎8. الدعاء عند التلاوة:‏
‎- ‏يستحب للقارئ إذا مرّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب، أو يقول: اللهم إني أسألك العافية أو أسألك المعافاة من كل مكروه، أو نحو ذلك. وإذا مرّ بآية تنزيه لله تعالى نزّهه فقال: سبحانه وتعالى، أو تبارك وتعالى، أوجلت عظمة ربنا.‏
‎‎ قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة .. فقلت يركع عند المئة ، ثم مضى ، فقلت يصلي بها، ثم افتتح آل عمران فقرأها ، ثم افتتح النساء فقرأها ، يقرأ مترسلاً إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ ) رواه البخاري. ‏

"مراحل كتابة الآيات القرآنية بالحروف المنقطة"

إن الحمد لله نمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، اللهم صلى وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد:
مر جمع المصحف "كتابته وتدوينه" بثلاث مراحل: الأولى: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية :في عهد أبى بكر رضي الله عنه.
الثالثة :في عهد عثمان رضي الله عنه.
وكل واحدة من الثلاث كانت لها مزية ومبرر وسبب يختلف عن سبب التي بعدها. ولكن ليس هذا مجال بحثنا الآن – قد ييسر الله بحث هذا الموضوع مستقبلا- وتم الجمع في جميع هذه المراحل على لغة قريش بدون نقط، وكذلك جرّدوه من كل شيء لم يدخلوا مع المصحف أي شيء ليس من القرآن الكريم وكانوا يوصون بتجريد المصحف. قبل الدخول في مراحل كتابة الآيات بالحروف المنقطة نذكر تعريف الآية ،القران
تعريف الآية : لغة:- تطلق على 6 معاني :1-المعجزة 2-العلامة 3- العبرة 4-البرهان 5-الأمر العجيب 6-الجماعة
شرعا:طائفة ذات مطلع ومقطع مندرجة في سورة من القرآن يعني بداية ونهاية مندرجة في سورة من القرآن الكريم

تعريف القران: لغة : اتفق العلماء على انه اسم وليس فعل أو حرف واختلفوا في : هل هو جامد ( لا يأتي منة اسم فاعل أو مفعول أو فعل لايتصرف ككلمة أسد ) أخذ به جماعة من أهل العلم ولكنهم قلة وجمهور العلماء على انه مشتق أم مشتق من مصدر أو فعل واختلفوا أيضا انه مشتق من : أ‌- قرن : فتكون النون أصلية لاقتران سوره وآياته بعضها ببعض ب‌- قرأ : حيث الهمزة أصلية والنون زائدة وهو الذي عليه أكثر العلماء واختاره الزجاج واللحياني
شرعا : (ولم نقل اصطلاحا لأنها تطلق على الأسماء التي اصطلح العلماء عليها أما ما جاء الشارع به من كلمات فيقال تعريفها شرعا) كلام الله المنزل على محمد المتعبد بتلاوتة.

ندخل أيها الإخوة في الموضوع :مراحل نقط آيات القران: مرت بثلاث مراحل:

1. نقط الإعراب : "شكل الكلمات" وضع نقطا تدل على حركة كل حرف من الكلمة فالفتحة نقطة فوق الحرف والضمة نقطة بين يدي الحرف والكسرة نقطة تحت الحرف.

2.بنقط الإعجام : هو النقط على الحروف

3. تغيَّر نقط الإعراب إلى شكل كلمات: فوضع بَدَل النقطة الفوقية على الحرف فتحة يعني ألفا مائلة وتحت الحرف مكان الكسرة خطا تحت الحرف ومكان الضمة واوا صغيرة فوق الحرف وزاد على ذلك بأن وضع على الحرف المسَكَّن رأس خاء صغيرة ( أي حرف خفيف ) وزاد أيضا حركة للحرف المشدد بأن وضع أول حرف من كلمة شَدَّ ( رأس الشين ) ووضع أيضا علامات للرَّوْم والإِشمام.

سوف نتكلم عن كل مرحلة بإيجاز –نقلا من دروس شيخنا: د/ محمد بن عبد العزيز بن أحمد الخضيري ،من درس: محاضرات في علوم القرآن المستوى الأول - لكن قبل ذلك نتكلم عن سبب دعوة الخلفاء والولاة إلى ذلك : إن المصحف كتب في عهد عثمان -رضي الله تعالى عنه - وأرسلت المصاحف إلى الأمصار وكانت كتابتهم جردوه من كل شيء لم يدخلوا في المصحف أي شيء ليس من القرآن فكانوا يكتبون مثلا بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ إلى أن يأتي ﴿ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الم ﴾ وهكذا من أول المصحف إلى آخره ولم يدخلوا في المصحف أي شيء ليس من القرآن الكريم وكانوا يوصون بتجريد المصحف قال ابن مسعود «جردوا القرآن» ومثل ذلك روي عن ابن عمر وغيرهم من السلف الذين كانوا يشددون في أمر تجريد القرآن وأن لا يخلط بغيره لأن لا يلتمس كلام الله بكلام من سواه. واستمر الأمر على ذلك حتى دخل في الإسلام أعاجم كثير وكانوا لا يحسنون القراءة بالعربية وتختلط عليهم الكلمات وإعراب الحروف ،وكان هذا هو السبب الذي دعا إلى التنقيط لآيات القران لتسهيل القراءة على العامة. المرحلة الأولى : "نقط الإعراب":جاء زياد ابن عبيد الله لما كان واليا على العراق وذلك في عهد الدولة الأموية وأمر أبو الأسود الدؤلي ظالم ابن عمروا المتوفي عام تسعة وستين من الهجرة النبوية أمره أن يضع ما يدل الناس على إعراب كلمات القرآن المرفوع منها والمنصوب والمخفوض وغيره وما يبين طريقة نطق الكلمة بما يسمى في هذا العصر بالشكل شكل الكلمات فرفض أبو الأسود أن يقوم بهذا الأمر هيبة للقرآن لأنهم كانوا يشددون في أمر الإضافة إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وذات يوم سمع أبو الأسود رجلا يقرأ آية من كتاب الله سبحانه وتعالى على نحو غريب يقرأ قول الله ﴿ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهُ ﴾[التوبة: 3]، فقال أعوذ بالله وهل يبرأ الله من رسوله؟ ! فعند ذلك رجع إلى زياد فقال له :الآن أريد أن أضع ما يدل الناس على معرفة كيف يضبطون القرآن الكريم.

فوضع ما يسمى عند العلماء بنقط الإعراب، ونقط الإعراب جاء به أبو الأسود وضع نقطا تدل على حركة كل حرف من الكلمة فالفتحة نقطة فوق الحرف والضمة نقطة بين يدي الحرف والكسرة نقطة تحت الحرف وضبط القرآن من أوله إلى آخره على هذا النحو فانضبط الأمر لدى الناس.

المرحلة الثانية :نقط الإعجام ( هو النقط على الحروف) لما مضى زمن وجاء الخليفة عبد الملك ابن مروان أمر الحجاج أن يكلف من علماء العراق من يقوم بنقط الإعجام و هو النقط على الحروف.

لأن هذه الحروف التي بين أيدينا منقوطة لم تكن كذلك في الكتابة الأولى ولم تكن معروفة عند العرب منقوطة يعني التاء والثاء والباء كلها تكتب بصفة واحدة ، وتميز بالسياق وكذلك الذال والدال والصاد والضاد كلها إنما يميز بينها الناس بالسياق فقط. فكلف الحجاج يحيى ابن يعمر العدواني ونصر ابن عاصم الليثي المتوفي عام تسعين من الهجرة النبوية أن يقوما بهذا الأمر فقاما به و وضعا نقطا على الحروف التي تسمى عند العلماء نقط الإعجام، وهو يسمى عند المتأخرين ضبط الحروف.

المرحلة الثالثة : تغيَّر نقط الإعراب إلى شكل كلمات: لما استمر الأمر على هذا اختلط على الناس ما فعله أبو الأسود الدؤلي وما فعله هذان الإمامان نصر ابن عاصم ويحيى ابن يعمر لأن أبا الأسود نقط وهؤلاء نقطوا أيضا فاختلطت النقط علما بأن أبا الأسود كان يضع نقطا باللون الأحمر تمييزا لها عن أي شيء آخر وعن كتابة القرآن لكن شق ذلك على الناس بأن يكتبوا بلون آخر غير اللون الذي يكتبون به حروف المصحف.

عند ذلك جاء الخليل ابن أحمد الفراهيدي صاحب الابتكارات العلمية فغير نقط الإعراب إلى أن وضع هذه الطريقة الموجودة بين أيدينا في شكل الكلمات فوضع بدل النقطة الفوقية على الحرف وضع فتحة ألفا يعني مائلة وتحت الحرف مكان الكسرة خطا تحت الحرف ومكان الضمة واوا صغيرة فوق الحرف وزاد على ذلك بأن وضع على الحرف المسكن رأس خاء صغيرة كأنه يقول هذا حرف خفيف خاء فوضع رأس الخاء وزاد أيضا حركة للحرف المشدد بأن وضع أول حرف من كلمة شدة رأس الشين ووضع أيضا علامات للروم والإشمام رحمة الله عليه رحمة واسعة واستقر على هذا العلم في المسلمين إلى هذا اليوم.

فهذا الضبط الذي نراه في كتاب الله وفي غيره الذي وضعه الخليل ابن أحمد الفراهيدي وأما نقط الإعجام " هو النقط على الحروف" فاستمر على ما وضعه الإمامان يحيى ابن يعمر ونصر ابن عاصم الليثي.

تتابع العلماء -رحمهم الله تعالى- على إدخال تحسينات على المصحف وزيادات يكمل بها معرفة وقوفه ونهاية آياته وتعرف فيه أحزابه وأجزائه وأعشاره وأخماسه وأرباعه وأثمانه وغير ذلك تفننوا في هذا تفننا عظيما وجاءوا بأشياء كثيرة كل ذلك خدمة لمن يتلوا كتاب الله سبحانه وتعالى وتعريفا له بهذا القرآن بداية ونهاية ومقاطع وفواصل وغير ذلك هذه الآيات أيضا كان الصحابة لا يضعون علامة على انتهاء الآية ثم وضعوا ثلاث نقاط في نهاية كل آية ثم تدرج الأمر أن يضعوا دائرة ثم وصل الحال بعد ذلك إلى أن وضعوا في وسط الدائرة رقما يدل على رقم الآية في سورتها. لكن هذه الأمور ليس مجالها هنا في هذا البحث. مسألة : ما حكم هذه الزيادات :اختلف العلماء في هذه الزيادات التي وضعت في المصحف ، زيادات النقط والشكل:- *من العلماء من منعه لأن لا يخلَط بالقرآن الكريم غيره ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن] ، ولأنه ثبت عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما وغيرهما من السلف الصالح قالوا : جردوا القرآن ، وكان النخعي والحسن وغيرهما يكرهون أن تنقط المصاحف *ثم استقر عمل المسلمين على تحسين هذا العمل لما فيه من المصلحة ودرء المفسدة عن كتاب الله تعالى وبقي لأمر على ذلك.

شبهة :يرددها النصارى على تنقيط الحروف ، نقلت الرد عليها من موقع فضيلة الشيخ حامد العلي
http://h-alali.net/npage/print.php?action=fatwa&id=5484
موقع فضيلة الشيخ حامد العلي
السؤال: هذه شبهة أوردها نصراني يعيب بها دين الإسلام فكيف الرد عليه :
السؤال الأول :
كتب القرآن الأصلي بدون تنقيط أو تشكيل ولكنه نقط بعد وفاة النبي بما يزيد عن المائتي عام والنقطة في اللغة العربية ربما تقلب المعنى رأسا على عقب، ما هي الضمانة على مطابقة القرآن الحالي بالأول؟ فالتشكيل هو الذي غير القراءات حتى اقتتل العرب وهذا الذي دفع عثمان أن يوحدهم على قراءة واحدة مخالفا أحاديث محمد على أن للقران سبع قراءات أين وما هي السبع قراءات؟.

الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى عيسى عبدالله ورسوله وعلى النبين الكرام ، اللهم صل على محمد وعلى آله كما صليت على ابراهيم وعلى آله في العالمين إنك حميد مجيد .

أما الجواب على التنقيط فإن هذا المعترض جاهل بالتاريخ فلم يكن تنقيط المصحف بعد مائتي عام ، قال السيوطي رحمه الله : ( اختلف في نقط المصحف وشكله ، ويقال أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الله بن مروان وقيل الحسن البصري ويحيى بن يعمر ، وقيل نصر بن عاصم الليثي … وقال مالك لابأس بالنقط في المصاحف … وأخرج أبو داود عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا لاباس بنقط المصاحف ، وأخرج عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه قال : لاباس بشكله انتهى ،

ومعلوم أن الحسن وابن سيرين من كبار التابعين ، فكيف يقال إن التنقيط حصل بعد المائتين .

وأيضا فإن القرآن منقول بالتواتر بالحفظ بالصدور ، فهذا هو الأصل الذي ترجع إليه حتى المصاحف ، ولهذا لو لم يبق في الأرض مصحف مكتوب ، فإنه لا يضيع القرآن ، وإنما كانت ولازالت المصاحف المكتوبة بالنقط ، ومن قبل التنقيط ، تقابل على مافي الصدور ، ولهذا فإن فائدة التنقيط ليست لحفظ القرآن المنقول بالتواتر ، وإنما لتسهيل القراءة على العامة فحسب ، أما القرآن فإنه محفوظ في الصدور ، ومعلوم أن المحفوظ في الصدور منقول بالسماع لا يحتاج فيه إلى تنقيط أصلا ، ولكن هؤلاء الجهال النصارى يظنون أن القرآن لم يحفظ إلا بالخط المكتوب ، واعتمادا على ذلك فحسب نقله المسلمون !!

ولو كان الأمر كذلك ، لضاع القرآن وحرّف ، ولهذا قال تعالى ) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) وفي الحديث (وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا) رواه مسلم ، أي إن أصله في الصدر ، ليس في قرطاس فيغسل الماء ما فيه ، وهو في صدرك محفوظ سواء كنت نائما أو يقظانا لا يختلف ، ولا تخاف عليه الضياع ، وهكذا نقل من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم بالتواتر إلى يومنا هذا ، يحفظه الملايين في صدورهم ينقلونه إلى الملايين ، حتى إن كثيرا منهم لا يعرف القراءة وإنما يأخذه بالسماع . -

وأما القراءات السبع فقد كان القرآن قد نزل على سبعة أحرف من لغات العرب ، ليسهل عليهم معرفته وحفظه أول نزوله ، فلما انتشر الإسلام ، واستقر أمره ، وعلا شأنه، لم يعد ثمة حاجة إلى بقاء تلك القراءات ، لاسيما وقد أدت إلى اختلاف الناس حديثي العهد بالإسلام فيما بينهم ، كل يدعي أن قراءته هي الحق وسواها باطل ، مع أنها كلها حق ، ومعانيها واحدة ، ليس بينها تناقض ، غير أن الناس قد جُبلوا على الاختلاف والتخالف ، فاجتهد عثمان رضي الله عنه أن يوحد الناس على قراءة قريش ، لان معاني القرآن حاصلة بهذه القراءة كما تحصل بغيرها ، وفائدة التعدد في القراءات لم تعد قائمة بعد انتشار الإسلام ، وأجمع الصحابة على أن هذا التوحيد على قراءة قريش اجتهاد في محلّه ، فبقيت قراءة قريش التي فيها أيضا لهجات عدة وهي القراءات السبع التي يقرأها القراء اليوم ، فهذه ليست هي الأحرف السبع كما يخطئ كثير من الناس ، بل هي لهجات في قراءة قريش فقط ، وهو الحرف الذي أبقاه عثمان رضي الله عنه واتفق الصحابة عليه ، وقد جعل رسم المصحف محتملا لهذه القراءات السبع ، وكلها منقولة بالتواتر .

حقوق الموقع متاحة للإستفادة والإفادة نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلآص والمتابعة